التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صلاح والصحافة الإسرائيلية… فصل جديد من فشل العرب في البروباجندا!

الدعاية أو البروباجندا ليست فقط مخصصة لأغراض التجارة أو الأغراض السياسية بل لها تأثير كبير وضخم على مجريات الأحداث وقد تحدث تغييرات .. ربما قد تساهم في حشد الرأي العام أو تغيير قوانين أو شن حروب أو هزيمة شعوب كما فعلت ألمانيا إبان الحقبة النازية والتي استخدمت الدعاياjبشكل حقق له الكثير من المكاسب غير الحربية

هذا الأمر له أيضاً تأثير على المعارك الثقافية والفكرية بل وقد يشكل التاريخ كما يريده الطرف الأقوى، فهو يعد من “القوى الناعمة” التي قد تدفع الحكومات والمؤسسات والأفراد لإنفاق الكثير من المال للسيطرة عليه أو توجيه الرأي العام أو نشر أفكار وثقافات معينة أو تغيير وجهات النظر من خلال ولذلك لا يجب الإهمال فيه أو التقليل من شأنه.

قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي .. وواقع مؤسف!

قبل أن نتطرق للموضوع الرئيسي يجب أولاً نطرح خلفية تاريخية وبدون الخوض في السياسة، فما لا يعلمه الكثير من العرب أن كل هذا الزخم حول القضية الفلسطينية الذي سمعنا عنها منذ صغرنا ما هو إلا “زوبعة في فنجان” وأن كل هذا الصراخ من العرب إلى العرب ولا يعلم العالم الخارجي عنه شيئا إلا القليل وذلك بفضل تفوق البروباجندا الإسرائيلية منذ مطلع القرن العشرين حتى وقتنا هذا في ظل إهمال عربي كبير.

صدق أو لا تصدق: ما يعرفه العالم عن القضية الفلسطينية أنه أشبه بأزمة قبرص وصراع بين قبرص اليونانية وقبرص التركية!! يعتقدون أن سكان فلسطين العرب واليهود قامت بينهم حرب في 48 انتهت بانتصار اليهود وتأسيس دولتهم بينما السكان العرب – بحد وصفهم – عبارة عن أقلية تثير الصراع والقتال والتفجيرات ضد المدنيين العزل!! (وليسوا أصحاب الأرض ويطالبون بحقوقهم كما نعتقد).

العالم الغربي تحديداً يعتبر إسرائيل هي الدولة الديمقراطية في المنطقة ودولة متحضرة تحيط بها دول معادية لها ! ومع تصاعد العدائية ضد الإسلام منذ أحداث سبتمبر 2001 تحولت الصورة إلى: دول عربية إسلامية ينتشر فيها التطرف والإرهاب ويسعون لقتل المواطنين الأبرياء والقيام بعمليات إرهابية وشن صواريخ! وللأسف هذه هي الصورة الحالية.

المشكلة الرئيسية لدينا العرب هو أننا نغلب العاطفة على العقل، الشعبوية والحماس لدينا زائد بشدة وكلما علت النبرة العنترية ذات لهجة شديدة كلما شعرنا وكأننا حققنا نصر حقيقي، الحكام العرب سعوا في الفترة السابقة في استغلال القضية الفلسطينية لأغراض سياسية من خلال تهييج الرأي العام لديهم وتحفيز الكتاب والصحفيين والمطربين والشعراء على السير في هذا الاتجاه من أجل إلهاء الشعوب نحو قضية ما لصرف النظر عن المشاكل الداخلية، أو ربما استغلها الحكام لصنع شعبية لهم كما حدث في حقبة التسعينيات.

هذا الحماس والاندفاع العاطفي يجعل الكثير من العرب يرتكبون ردود أفعال وتعليقات يستغلها الإعلام الصهيوني لتعزيز تلك الصورة عند الغرب أشبه بما فعلته وسائل إعلام أمريكية من نشر فيديوهات احتفالات بعض العرب بسقوط البرجين والحقيقة لم تكن كذلك حيث كان هناك جانب كبير رفض هذه الحادثة الأليمة ونددوا بها، تجد الإعلام الصهيوني يقول: أنظروا لهؤلاء المتعصبين المتطرفين ماذا يفعلون معنا؟ يقولون عنا أحفاد القردة والخنازير ويتوعدونا بالقتل، تقوم مثلاً صفحة أو حساب إسرائيلي بتهنئة المسلمون بعيد الفطر مثلاً بشكل خبيث مبطن فيقوم المعلقون العرب بإطلاق أبشع الصفات والتهديدات الدموية لكي يستغلها الطرف الإسرائيلي ويطرحها أمام العالم ويقولون: أنظروا .. نحن نهنئهم وهم يسبونا، هؤلاء لا يحبون السلام ويكرهون اليهود ويعادون السامية و …. الخ الخ وتوقع أنت الباقي، رغم أن الصراع كله سياسي وجغرافي له جذور وليس صراع ديني.

هذه الصورة أيضاً ساهمت في ابتزاز بعض الشخصيات لإجبارهم على التطبيع، أو الحشد وإيهام بعض السذج في الوطن العربي الذي اقتنعوا بذلك ودفعهم للتعاطف مع إسرائيل والاعتقاد بأنهم الطرف المظلوم !!

ولذلك بعد هذه السطور السابقة عليك أن تستوعب الصورة الكاملة وتدرك الوضع الحالي وأن تفهم لماذا ليس هناك دعم عالمي (من الناحية الثقافية والفكرية) في هذا الصراع، وتقريباً لم نرى تعاطف أو دعم إعلامي ثقافي إلا في حادثتين: حادثة محمد الدرة وحادثة راشيل كوري.

ما هي أزمة محمد صلاح الحالية وعلاقتها بالموضوع؟

أزمة محمد صلاح ما هي إلا نموذج لما نتحدث عنه منذ بداية المقالة، بالتأكيد الكل يعرف اللاعب المصري محمد صلاح لاعب نادي ليفربول الإنجليزي والذي يحظى بشعبية واسعة والكثير من النكات حوله عبر الشبكات الاجتماعية، في يوم 24 ديسمبر الماضي نشرت صحيفة جيروزاليم بوست خبر مبني على إشاعة وتكهنات أن اللاعب المصري يهدد بالرحيل عن نادي ليفربول إذا تعاقدوا مع أحد اللاعبين الإسرائيليين، وربطوا بين هذه الحادثة وبين ما حدث في 2014 حينما رفض مصافحة لاعبي النادي الإسرائيلي.

طبعاً هذا الخبر ليس بصحيح وليس هناك تصريح من اللاعب بذلك، ولكن فحوى الخبر في غاية الخبث واللؤم حيث أن أي ردود أفعال حوله سوف تضر باللاعب وقد تخدم المصالح الصهيونية.

هذا الخبر ذكرني بمقال نشر هنا في أراجيك منذ 6 سنوات عن (أساليب الدعاية القذرة .. نجاحها مرهون برد الفعل !) والذي يحكي عن واقعة للرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون أنه عندما كان يخوض الانتخابات المحلية حتى يصير حاكماً لولاية تكساس ضد منافسه حسن السمعة “لي أو دانييل” وقرر جونسون اللجوء إلى طريقة قذرة وهو عندما طلب من مساعده نشر خبر مفاده أن جونسون ينفي قيام منافسه أودانييل بارتكاب فعل فاضح ما !

طبعاً ليس هناك من الأساس أي خبر أو اتهامات بذلك، ولكن هذا النفي المنشور بالصحف سيجعل الناس تتساءل عن هذه الإشاعة وأنه (لا دخان بدون نار) وسوف يتناقلها العامة، وبالفعل استفزت هذه الشائعة المرشح وقام بنفيها مما ساهم في انتشارها أكثر وأكثر وكان لها أثر سيء على سمعته وعلى موقفه الانتخابي.

هذا الخبر أيضاً يعد من الأخبار المفخخة، اللاعب محمد صلاح بالتأكيد يمتلك عقلية احترافية لا تجعله يسقط في هذا الفخ، ولكن من الممكن أن يصدر رد فعل ما غير مقصود أو رد فعل من المقربين قد يضره بشده:
لأنه في حالة إقرار هذا الشائعة سيتم تشويه سمعة اللاعب واتهامه بالعنصرية وأنه يقحم السياسة في كرة القدم .. و…، وطبعاً مثل هذا الأمر قد يثير إعجاب الجمهور العربي من باب الحماسة والعاطفة بل وربما يتمنون لو أنه يعترف بذلك (راجع الفقرة الأولى في المقالة).

لو أنكر صلاح هذا الخبر فهذا سيغضب الجمهور العربي منه وقد يتهمه بالخيانة والتطبيع و … و…، مما سيؤثر على شعبيته في الوطن العربي وربما قد تقوده لجدل يؤثر على مسيرته الكروية الرائعة في الوقت الحالي.

لذلك أفضل حل لهذا الأمر هو تجاهل هذا الخبر وهذه الشائعة تماماً لأن الخوض فيها يتسبب في زيادة نشرها أو ربما توصيل رسالة سلبية للكثيرين.

بالتأكيد نحن نثق بأن اللاعب قد يفعل ذلك ويتجاهل الأمر ولكن المشكلة الكبرى لا تكمن فيه شخصياً بل في وسائل الإعلام العربية التي بالتأكيد لم تترك هذا الأمر يمر مرور الكرام، فمثل هذه المواضيع الجدلية ستجلب لهم ملايين المشاهدات والزوار لمواقعهم والأسوأ من ذلك أنها تزيد الطين بلة، وتساهم في منح ذرائع وهدايا للإعلام الصهيوني لكي يستغلها أفضل استغلال، أو ربما قد يتسبب الإعلام في ممارسة المزيد من الضغوط عليه.

فمن يطالع وسائل الإعلام حالياً أو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يجدها تقر هذا الخبر وكأنه حقيقي وصدر بالفعل عن اللاعب (مثال آخر لغياب المهنية والاحترافية) وبالتالي سيجعلنا نحن العرب نظهر بصورة سيئة أمام العالم!
أو ربما قد تندفع بعض وسائل الإعلام الأخرى (من باب الحماس) في نفي هذه المعلومة تماماً وأنه لا مشكلة في تواجد لاعب إسرائيلي ولا تداخل بين الكرة والسياسة .. و.. و ..، مما يؤثر على الجمهور ويساهم في زيادة فكرة التطبيع! يعني في كلا الحالتين ردود الأفعال سلبية وتفسد الأمور أكثر.

حادثة مثل حادثة محمد صلاح أردت تسليط الضوء عليها لكي تكون نموذج واضح لما نتحدث عنه، فهي ليست أول ولا أخر حادثة بهذا الشكل، التعامل مع هذا الصراع الإعلامي يتطلب حنكة وحكمة وتعامل بعقلانية، علينا أن ندرك الواقع المؤسف الذي وصلت له الأمور ويجب العمل على تصحيحها وليس سكب الزيت على النار، لا داعي لأن تعطي لخصمك ذرائع وفرص لكي يستغلها ضدك، في السنوات السابقة وجدنا الكثير والكثير من هذه الحوادث وساهمت في تعزيز الـ Stereotypes أو الصورة النمطية الخاطئة عن العرب وعن الصراع.

The post صلاح والصحافة الإسرائيلية… فصل جديد من فشل العرب في البروباجندا! appeared first on أراجيك.



المصدر: صلاح والصحافة الإسرائيلية… فصل جديد من فشل العرب في البروباجندا!

المشاركات الشائعة من هذه المدونة